مات في سن الرابعة والثمانين - سلفادور دالي عبقري مجنون لاحقه عقله الباطن

تناحر مع جماعة السورياليين فأبعدته من صفوفها عامل المنتجات الصناعية باحتقار وشوه الآلات كان يتصرف دائما بما لا يرضي الآخرين

منقول (المعلا،2000م)*

[align=justify]في العام 1989 توفي الفنان السوريالي سلفادور دالي عن عمر ناهز 84 عاما، وقد استحق كل الأوصاف التي أطلقت عليه كالعبقري المجنون الهذياني بنتيجة الأفكار والتصرفات والسلوكيات التي ميزت حياته الفنية والنظرية، وخاصة أثناء اقامته في الولايات المتحدة الأمريكية خلال سنوات الحرب العالمية الثانية، حيث كانت صرعاته الاعلانية تحتل مركزا مرموقا في الصحافة مما جعل اسمه معروفا لدى الملايين من الأمريكيين، وكان قد رسم في بداية العقد الأربعيني لوحات عديدة لشخصيات مهمة وثرية ومشهورة، ولدت علاقته الوطيدة بمنتج الأفلام السينمائية جاك وارنر الذي رسم دالي صورة شخصية له تطلبت خمس سنوات من العمل المتواصل عليها، وقد احتوت أفلام هيتشكوك بعض المشاهد الحلمية التي صممها دالي لكنه لم يتمكن من انتاج الفيلم السينمائي الخاص به الذي كتب السيناريو له بعنوان »نقالة اللحم« وكان قد صمم ديكورات مسرحية وصمم ملابس لقطع بالية كما حاول الدخول إلى ميدان تصميم المجوهرات وألف أكثر من ثلاثين كتابا وصمم أزياء لعدة دور أزياء مشهورة وشارك في مؤتمرات ثقافية عديدة شملت مدنا أمريكية وأوروبية. ونتيجة لهذا النشاط الدائم بدأت جماعة السورياليين تبخيس قدر دالي الفني باطلاق تسمية »حجب الدولارات« عليه وكانت جماعة السورياليين قد استقرت في نيويورك في تلك الفترة، وازداد الاهتمام الاعلامي بها، فخصص رئيس تحرير مجلة »VIEW« شارلز هنري فورد سلسلة من أعداد مجلته للتحدث عن السوريالية »فيو« والسورياليين، وقد أصدر الفنانون السورياليون فيما بعد في العام 1942 مجلتهم التي حملت عنوان »777« التي ساعدت في ابراز تأثيرهم على الحياة الثقافية في البلاد. ونتيجة التناحر فيما بين جماعة السورياليين وسلفادور دالي أبعد دالي من صفوف الجماعة فاستمر كفنان سوريالي منحرف تماما كما ذكر في مذكراته وانطلق غازيا السوق الدينية واتخذت الأشكال الفضائية التي تكشف عنها أوراق كرنب والصوفية النووية المحتواة في قرن وحيد القرن أهمية عظيمة في أعماله الجديدة، وفي هذه الفترة نرى دالي مترددا على مستوى القصد من أعماله كما على مستوى الأسلوب ، إذ أوجد الرباط بين فرويد والكثلكة الرومانية حقيقة جديدة تستند جزئيا على اعادة بناء الماضي وعلى الفظاظة التي يولدها العقل الباطني ، ولهذا نلاحظ حدوث تغييرات واضحة في أسلوبه كميله للرومانسية في تعامله مع الألوان أو تلطيف الأشكال التي كانت في السابق محددة بوضوح أكبر. وابتداء من العام 1950 بدأ دالي يعمل على نشر صوفيته الأمر الذي جعله يجتاز سلسلة من المراحل المختلفة والخضوع لتأثيرات فنية متعددة فمارس تأثيرا على اللاإرادية في التعبير التجريدي، وما مارسه في انجاز رسوم لكتاب سرفانتس »دون كيشوت« مما تولده كرات مملوءه بالحبر تقذف على كليشية معدة للطباعة، هذا الأسلوب أعطى بعدا حيزيا جديدا للوصفة »صيد سمك التونة« أو »صعود القديسة سيسل« وغيرها من الأعمال الضخمة الموزعة في أنحاء العالم، وخلال هذه المرحلة أطلق سلفادور دالي نظرية جديدة هي »نظرية دالي الفضائية« التي أكد فيها انها ستنفذ فن الرسم الحديث.


صعود السورياليين لقد كان دالي فنان الاشكالية بامتياز في مسيرته ضمن جماعته السوريالية وخاصة في العام 1934، حيث أقيم أول معرض مهم للفنانين السورياليين خارج فرنسا التي احتضنتهم، وكان ذلك في الولايات المتحدة، وتزامنا مع هذا المعرض أقيم معرض للوحات دالي في برشلونة، وآخر في بروكسل، وكان هذا العام زمن الخير للجماعة السوريالية فبدأت معارضهم بالانتشار في العالم كما اقيمت مواقع ثابتة لعرض أعمالهم في كوبنهاجن وبراغ وطوكيو وهولندا وتشكلت في هذه الدول جمعيات للفنانين السورياليين المحليين. وقد أقيم في العام 1936 معرض ضخم نظمه رولاند بنروز في لنذن بالتعاون مع جماعات الفنانين السورياليين الفرنسيين والبلجيكيين عرض فيه لوحات ورسوم وملصقات وتماثيل ومؤلفات أدبية وأعمال فنية افريقية ورسوم أطفال وقد عرض دالي اثنتي عشرة لوحة في هذا المعرض. خلال افتتاح هذا المعرض كانت امرأة ترتدي زيا طويلا أبيض تتنزه عبر أروقة المعرض ووجهها مغطى بالكامل بورود وضعت عليها حشرات حية، وتحمل في احدى يديها نموذجا لساق آدمية، وفي الأخرى قطعة من لحم البقر النيء، وافتتح المعرض ملهم السورياليين »اندريه بريتون« الذي ارتدى سترة وسروالا بلون أخضر ويضع في فمه غليونا أخضر اللون وصبغت زوجته شعرها باللون الأخضر، أما سلفادور دالي فقد ظهر مرتديا لباس الغطاسين وعندما سأله أحدهم عن عمق غطسته أجاب بأنها تصل حدود اللاوعي.. اللاوعي الذي جعله فيما بعد يرسم اللوحة التي مثلت انتصار خياله »cannibalisme d`automne« التي يبدو فيها رجل يقوم باذابة نفسه لتنتشر المادة المذابة على طاولة صغيرة قريبة ويحمل بيده سكينا وشوكة ليأكل جسده المذاب وكان قد رسمها في العام 1937، وسنجد ان هذا الوعي مكنه بعد انقضاء سنتين من اللقاء مع سيجموند فرون بواسطة الأديب ستيفان زويج حيث قال فرويد »لم أر في حياتي نموذجا لاسباني أعظم كمالا من دالي«. لقد عامل دالي المنتجات الصناعية والآلية باحتقار شديد ومتوحش فعبر عن ذلك في لوحاته ، وقد شوه الآلات بأقصى درجة ممكنة فالسيارات التي تظهر في أعماله انما هي في أوضاع لا تساعد على تشغيلها، ولهذا قال دالي: »الآلات محكوم عليها بالكسر والصدأ والعقول الميكانيكية مثل التلفزيون تقتل خيال وروح الانسان«. وما بين العامين 1937 و 1939 زار دالي ايطاليا ثلاث مرات وكانت روما الكاثوليكية قد دمرها التجديد الحديث الذي أمر موسليني به، وتعددت زياراته للمواقع والأماكن لتحقيق مشاريعه بحثا عن الايحاء ، كما فعل في زياته لمدينة أما لفي لانجاز مشروع باليه واجنر أو زيارته لمونت كارلو لانجاز لوحته »لغز هتلر« وهكذا نرى ان شهرته سبقته إلى الولايات المتحدة حين زارها في العام 1939 بسبب رسومه الني نشرها في مجلة أمريكا ويكلي عن مناظر مدينة نيويورك، ومن ثم الأعمال المتنوعة التي قام بها في المدينة فيما بعد كتزيين الواجهات وهكذا كانت أعماله الصلفة تدفع به دائما إلى سدة الشهرة وخاصة موقفه من الحكم الفرانكوي في اسبانيا الذي دفع جماعات السورياليين لنبذه واهماله بقرار جماعي منهم. وهنا قرر دالي ان يصبح رئيس الحركة السوريالية العالمية. ولم تستطع الحرب الثانية ان تخفف من حدة التوتر بينه وبين معارضيه الذين رحل أغلبهم ذاك الوقت إلى الولايات المتحدة في حين كان دالي يوطد علاقته بالتقاليد الفنية الإيطالية، فقد بدأ كتابة مذكراته وتعمق في دراساته الجمالية واعاد توثيق ارتباطه بما أسماه أفلاطون الرقم الذهبي وبدأ تطبيق ذلك على أعماله منقادا لتوجيهات ضميره في محاولة للاقتراب من المثالية الافلاطونية، ولهذا فقد اهتم من جديد بدراسة فنون عصر النهضة والهندسة والرياضيات وعلوم التشريح، وهكذا بنى لوحته »ليديا« و »العشاء السري« المحفوظة الآن في المتحف الوطني للفنون بواشنطن، وقد كتب في مذكراته انه رسم هذه اللوحة انطلاقا من الرقم 12 اشارة فلكية ، 12 تلميذا حول المسيح، وقد عنت هذه اللوحة لدالي التكامل والتركيب ونشأة الكون والايمان.


تلميذ نموذجي لقد كان دالي يتصرف دائما بما لا يرضي الآخرين لقناعته الذاتية بأهمية ما يفكر به وضآلة ما يقتنع به الآخرون، ولهذا فإنه ومنذ اللحظات الأولى لدخوله الاكاديمية حاول ان يفعل ما يريد وهو يخطو خطواته الأولى حين تقدم للامتحان في اكاديمية الفنون الجميلة حين قرر اهمال شروط الامتحان المستوحى من موضوع كلاسيكي وفق مقاييس وقواعد محددة ودقيقة، ومع ذلك فقد وافقت اللجنة على قبوله تلميذا في الاكاديمية، فكان مثال التلميذ النموذجي المتابع والمهتم بزيارة متحف برادو، حيث كان يمضي الساعات الطويلة مسمرا أمام لوحات المشاهير، وعندما كان يعود إلى الاكاديمية كان يرسم رسوما تكعيبية للمواضيع التي شاهدها في تلك اللوحات، إلا انه اختلف في ذاك الوقت مع سيد الفن التكعيبي خوان جريس. كانت مرحلة الدراسة في الاكاديمية من المراحل القلقة التي عبرها سلفادور دالي بمشقة جراء خيبة الأمل التي أصابته من الاكاديمية التي أحس أنها لن تفيده بشيء، وفي تلك الفترة اكتشف الشاب دالي العالم النفساني »فرويد« من خلال كتابه »تفسير الأحلام« فتأثر كثيرا بما أورده فرويد فانطلق يفسر أقل عمل يقوم به على هذا الأساس، في هذا الوقت لم يغب عن بال الفنان التطور الفني والأدبي في أوروبا، وخاصة المذهب الدادي في الفنون والآداب الساخر من كل القيم المعترف بها. بعد انقضاء مدة ابعاده عن الدراسة في أكاديمية الفنون في مدريد عاد إليها كثائر غير محترم، ثم بعد ذلك درس المستقبلية الايطالية وبالأخص المحاولات المستقبلية في تمثيل أشياء متحركة، وفي العام 1924 اهتم بالمدرسة الميتافيزيقية وبمبادئها التي وضعها »شيريكو وكارلوكارا« فظهر تأثير شيريكو بوضوح على مستوى لوحاته في استخدام البادرة الحسية للرسم المنظوري، ثم أيد ما كان يفعله »بيكاسو« في توجهه لايجاد بنيات كلاسيكية وأساليب تكعيبية تمكنه من ضمان بقاء ما تبقى لتنظيم فوضى روحه وهكذا زار دالي بيكاسو في باريس عام 1927 وقال له باحترام شديد »لقد جئت خصيصا إلى باريس لمقابلتك قبل ان أزور متحف اللوفر« وخلال زيارة بيكاسو لبرشلونة فيما بعد زار بيكاسو معرضا للوحات دالي وعندما عاد إلى باريس تحدث بيكاسو عن دالي بحماس إلى وكيل أعماله والمشرف على بيع لوحاته. مع ذلك لم يستجب دالي لوكيل الأعمال بل فضل زيارة باريس مباشرة حين استقبله الفنان الاسباني خوان ميرو في عام 1928 وساعده على التعرف على المجتمع الباريسي وسهل زيارته لتريستيان تزارا الدادي القديم، وأهم تجار اللوحات في باريس وأهم الشعراء والمخرجين أمثال بول ايلوار وبونويل الذي أشرك دالي معه في فيلم »العصر الذهبي« المليء بمشاهد العنف والثورة. أثرت باريس على الفنان الملتهب، ورغم النجاحات المتلاحقة فإنه كان يسعى لأكثر مما يحصل عليه، فابتعد عن أصدقائه وأضحى يمضي الأوقات في المقهى زائغ العينين وشعر بأن الجنون بات قريبا منه، فقرر الهرب والعودة إلى اسبانيا، وفي كاداكويز عادت إليه تخيلات الطفولة ورؤاها الغريبة، فكانت أول لوحة سوريالية يرسمها في حياته وسماها (leJeu lugubre) وقال عنها في مذكراته: »كنت متأكدا بأني الرسام السوريالي الحقيقي والوحيد وعلى الأقل استنادا إلى المفهوم الذي وضعه اندريه بروتون منشئ السوريالية للفن السوريالي«. ذهب دالي بعيدا في ملاحقة ايحاءات عقله الباطن لدرجة انه وضع أمام سريره مرسما عليه لوحته غير المكتملة لتشحذ أحلامه ويوجهها نحو تطوره الفكري.. ثم كتب: »في يوم من الأيام سيضطر الناس إلى الاعتراف بصورة رسمية بأن ما يعتبرونه حقيقة وواقعا ملموساً ليس سوى وهم أكثر خيالا من عالم الأحلام«. نفذ سلفادور بين العام 1933 ــ 1936 بعض الأعمال الأدبية و ساهم في تحرير مجلتي (دفاتر الفن، مينوتور) واستوحى موضع مقالاته من مختلف المصادر وبدأ يميل إلى تصوير التشوهات العظمية في جسم الانسان وبالأخص في رأسه معطيا بذلك اشكالا مشوهة مثيرة للاشمئزاز، وكتب فيما بعد مجموعة قصصه (وجوه مستترة) وانجز رسوما لكتب وكتّاب منها »خمسون سرا في فن السحر« والكوميديا الإلهية لدانتي وكتب »مانيفستور الصوفية« وفي العام 1954 نشر كتاب (شارب دالي) بالتعاون مع فيليب هايسمان وكتاب (دالي يتحدث عن الفن الحديث) ثم في العام 1961 أعاد نشر كتابه (الحياة السرية لسلفادور دالي) وفي العام 1964 منحته الحكومة الاسبانية أحد أرفع الأوسمة الاسبانية تقديرا لجهوده من أجل اسبانيا وتثمينا لأعماله الفنية ثم نشر كتاب (يوميات عبقري) وفي العام 1973 افتتح في مسقط رأسه متحف دالي بمبادرة منه ثم في عام 1982 منحته الحكومة الاسبانية لقب مركيز دي بوبول وفي هذه السنة توفيت زوجته (جالا) .. انه العبقري المولود في 11 مايو عام 1904 في فيجويراس في مقاطعة كتالونيا الاسبانية.


»إذا كنت تقوم بدور العبقري فسوف تصبح عبقريا في يوم من الأيام« »عندما كان عمري ثلاث سنوات أردت ان أصبح طاهيا وعندما بلغت سن السادسة أردت ان أصبح نابليون بونابرت.. ومنذ ذلك الحين لم يتوقف طموحي عن الازدياد والنمو«
[/align]
_________________
المعلا ، طلال (2000م): مجلة بيان الثقافة ،العدد 28